Research - Scripts - cinema - lyrics - Sport - Poemes

عــلوم ، دين ـ قرآن ، حج ، بحوث ، دراسات أقســام علمية و ترفيهية .


    شبهات في الفكر الإسلامي

    شاطر

    GODOF
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 10329
    نقــــاط التمـــيز : 47231
    تاريخ التسجيل : 08/04/2009
    العمر : 25

    شبهات في الفكر الإسلامي

    مُساهمة من طرف GODOF في الثلاثاء 3 نوفمبر - 17:29

    1- التحدي القائل أن الغرب لم ينهض إلا بعد أن تخلص من سلطان الدين على العقول ، وحكّم العقل في كل أمور حياته، ومن ثم يتوجب على المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه. لقد أجمع المفكرون الإسلاميون على رفض تطبيق هذه المقولة على الإسلام والنهضة الإسلامية، مستندين إلى إقامة تفريق حاسم بين الإسلام والكنيسة المسيحية في الغرب، سواء أكان ذلك من ناحية وجود سلطان كنسي روحي، أم من ناحية موقف الكنيسة من العقل والعلوم والمكتشفات، أم من ناحية موقفها من الحياة المادية والروحية للإنسان.

    وقد قطعوا بالقول، كما فعل سيد قطب أن ما يمكن أن يقال عن الدين والكنيسة في الغرب لا ينطبق ولا ينسحب على الإسلام والتجربة الإسلامية التاريخية. وكان رد الإمام محمد عبده في كتابه (( الإسلام دين العلم والمدنية )) على فرح انطوان من الردود الأولى التي عالجت هذا الموضوع ورفضت رفضاً قاطعاً تطبيق تلك المقولة على الإسلام.

    وتوسع الدكتور عبد الله عزام في مناقشة هذا الجانب الذي يؤكد اختلاف موقف الإسلام من العقل عن موقف الكنيسة من العقل، فرد هذه الشبهة عن الإسلام مورداً رأيا للشيخ البهي يقول: (( صراع العقل مع الدين هو صراع الفكر الإنساني مع مسيحية الكنيسة، وان دوافعه هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية )) . أما من ناحية أخرى مكملة، فقد قبل بعض المفكرين الإسلاميين من تلك الموضوعية ذلك الجزء الذي يقول إن تحرر العقل الأوروبي من سلطان الكنيسة ومعتقداتها الدينية كان واحدا من الأسباب الرئيسية في انطلاقة نهضة الغرب. ولكنهم قالوا إن هذا ليس قانوناً عاماً ينطبق على الإسلام الذي يؤدي الأخذ به إلى تحرير العقل من سلطان العبودية والخرافات، وإطلاقه في اكتشاف مجاهيل الطبيعة واقتحام مجالات الصناعات والتقدم وهذا ليس مثبتاً في النص فحسب وإنما أيضاً طبق عملياً في الماضي عندما أسس المسلمون نهضتهم على الإسلام. وقد شدد على هذا الرأي الشيخ أحمد العسال والشيخ يوسف القرضاوي.

    إن موقف الإسلام من العقل والعلوم لا ترقى إليه شبهة لذلك ترى الإسلاميين الأكثر حماسة للعقل وضرورة إطلاقه واستخدامه وتحكيمه يستندون، كما فعل الأستاذ فهمي هويدي، والدكتور محمد فتحي عثمان في دعم مقولتهما إلى الإسلام نفسه.

    ويؤكد الأستاذ كارم السيد غنيم احترام الإسلام للعلم وتوقير أهله وإجلالهم بكل وسائل الإجلال. وذلك أن (( الإسلام لم ولن تدانيه شريعة في عنايته بالعلم والمعرفة ذلك الذي جعل العلم والتأمل والبحث من أعظم المقربات إلى الله سبحانه )) وينقل الشيخ محمد الغزالي عن الإمام حسن البنا قوله: (( الإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء )).

    ويشدد الشيخ محمد متولي الشعراوي على أهمية العقل ودوره، مؤكداً حرص الإسلام على العمل وعدم التواكل، ناقداً المفاهيم الخاطئة للجبرية حول القضاء والقدر.

    2- التحدي القائل بفصل الدين عن الدولة واتهام الإسلام بالنظام الثيوقراطي ، والدعوة إلى إقامة الأحكام على أساس وضعي عقلي مستمد من أصول تشريعية رومانية وفرنسية وانكلوسكسونية باعتبارها أرقى ما توصل إليه الفكر القانوني العالمي.

    يلاحظ الدكتور مصطفى حلمي أن موضوع الفصل بين السياسة والدين لم يخطر على بال علماء الإسلام في الماضي قط. ولم يثر إلا حديثاً، خصوصاً بعد إلغاء الخلافة. فالعلماء المسلمون في السابق ناقشوا مواضيع تتعلق بالخلافة ولم يمس أحد استبعاد علاقتها بالسياسة أو الدين. ويشير إلى أن أول من دحض مقولة فصل الدين عن الدولة كان الشيخ مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في الخلافة العثمانية، في كتابة: (( النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة )).

    لقد توسع الفكر الإسلامي في نفي صفة النظام الثيوقراطي عن الإسلام، حين تقوم الدولة على أساس النظام الإسلامي فقد بين ( الإخوان المسلون)، أن الدولة في الإسلامي ليست ثيوقراطية لأن الحاكم في النظام الثيوقراطي سلطته فيه إما من رجال الدين وإما من الحق الإلهي بوصفه ظِلُّ الله في الأرض، بينما سلطة الحاكم في الدولة الإسلامية مستمدة من الناس لا من الله، كما ينقل الأستاذ أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله عن فكر الإخوان المسلمين.

    أما السيد قطب فيقول: ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم -هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الألهة، كما كان الحال فيما يعرف باسم (( الثيوقراطية )) والحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

    ويقول الدكتور محمود أبو السعود: (( لا إشارة في الإسلام للحكم الثيوقراطي )) ، بمعنى لا يعطى الإسلام مطلقاً لشخص أو مجموعة أشخاص احتكار تفسير كلمات الله أو حكم المسلمين ضد إرادتهم الحرة.

    ويكتب الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور أحمد العسال: (( الأمة في الإسلام هي الحاكمة، وهي صاحبة السلطة، هي التي تختار حاكمها، وهي التي تشير عليه، وهي التي تنصح له وتعينه، وهي التي تعزله إذا انحرف أو جار )) ... (( والخليفة في الإسلام ليس نائباً عن الله، ولا وكيلاً له في الأرض، إنما هو وكيل الأمة ونائب عنها )).

    وأوضح الشهيد عبد القادر عودة في كتابه )) (( المال والحكم في الإسلام )) أن الحكم في الإسلام يقوم على أساس:

    1- القرآن (المصدر الأساسي للتشريع) .

    2- مبدأ الشورى.

    3- احترام إرادة الأمة، ومن هنا فهو يرى أنا الخليفة ينوب عن الجماعة ولا ينوب عن الله، (( وما أقامت الجماعة الخلفية إلا ليكون نائباً عنها، وما استمد ولا يستمد سلطان إلا من نيابته عن الجماعة التي أقامته والتي تملك حق مراقبته ومنعه ممن الخروج على حدود نيابته، بل للجماعة أن تقيد تصرفاته، وقواعد النيابة تقضي بذلك، كما أن الإسلام يفرض على الناس حيث أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الحكام من الظلم والتعسف في استعمال حقوقهم ومنعهم من الإهمال في أداء واجباتهم.. )).

    أما بالنسبة إلى العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام فيقول: (( الدين في الإسلام ضروري للدولة، والدولة ضرورة من ضرورات الدين، فلا يقام الدين بغير الدولة، ولا تصلح الدولة بغير الدين.

    أما من جهة أخرى، فقد توسع المفكرون الإسلاميون من رجال الفقه والقانون في ردودهم على الموضوعة القائلة: (( بأفضلية القوانين الغربية على الشرع الإسلامي )) . وقد رفضوا فكرة فصل الشرع الإسلامي عن الحياة المدنية والدولة. وناقشوا من منطلقات قانونية بحتة، ومن خلال مقارنات دقيقة، أفضلية الأصول القانونية في الشرع الإسلامي على نظيراتها في القانون الروماني وغيره من الأصول الوضعية، فعلى سبيل المثال، يستشهد الدكتور توفيق الشاوي بكتاب عبد الرازق السنهوري (( الخلافة ونظام الحكم الإسلامي )) الذي أثبت فيه أن مبدأ الفصل بين السلطات هو حجر الزاوية في نظام الحكم الإسلامي، سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العلمية ويشير إلى اعتزاز البروفسور أدوارد لامبير الذي قدم للكتاب بسبب كشفه أن مبدأ الفصل بين السلطات، والسيادة الشعبية اللذين لم تعرفهما أوروبا إلا في العصر الحديث هما من أصول العلم الإسلامي في الشريعة الإسلامية قبل أن يعرفهما الفقه الأوروبي بعدة قرون. كما استشهد بكتاب: "نظرية التعسف في استعمال الحق في الشريعة الإسلامية" للدكتور محمد فتحي. وقد أثبت فيه أن هذه النظرية التي لم تعرف في القوانين الغربية إلا في العصور الحديثة وجدت في الشريعة الإسلامية قبل ذلك بعدة قرون أيضا.

    وقد أسهم الشهيد عبد القادر عودة في هذا المجال إسهاماً مبدعاً في مؤلفيه (( الإسلامية وأوضاعنا القانونية )) و (( التشريع الجنائي في الإسلام )) مقارنا بالقانون الوضعي، وشارحاً نظرية الشريعة في الحكم. وللشيخ محمد أبو زهرة إسهامات كبيرة متعددة في مناقشة هذا الجانب، وللأستاذ جمال البنا في كتابه: (( سيادة القانون: رؤية لمضمون الحكم بالقرآن )) . وكذلك آراء كبار رجال القانون كالسنهوري والدواليبي والزرقا. وهذا ما سيأتي تفصيله لاحقاً.

    أما من زاوية أخرى، فيرى الحاج توفيق الحوري أن الشريعة الإسلامية تمتاز عن القانون الوضعي بأنها مزجت بين الدين والدنيا، وشرعت للدنيا والآخرة. وهذا هو السبب الوحيد الذي يحمل المسلمين على طاعتها في السر والعلن والسراء والضراء. لأنهم يؤمنون طبقاً لأحكام الشريعة بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم من الله، بينما الحال في القوانين الوضعية عكس ذلك فهي مطاعة بقدر ما تخشى من الوقوع تحت طائلتها وهي لهذا تخرق كلما أمكن الإفلات من يد القائمين على تنفيذ القانون. الأمر الذي جعل الجرائم تزداد زيادة مطردة في البلاد التي تطبق القوانين الوضعية بينما حدث العكس أينما طبقت الشريعة وساد التمسك بالإسلام.

    هذا دون إيراد الحجج الإسلامية التي ردت على فساد القوانين الوضعية الغربية من خلال ما أرسى من قوانين ظالمة في المستعمرات أو من خلال القوانين الدولية الظالمة كقوانين البحار على سبيل المثال.

    3- التحدي القائل أن الإسلام أصبح شيئاً من الماضي، ولا يصلح للزمن الحاضر. وأنه سبب تخلف المسلمين وانحطاطهم.. لهذا صدرت كتابات إسلامية كثيرة ترد على هذه المقولة، مؤكدة الشعار الذي شدد عليه عبد العزيز جاويش كما ينقل عنه الدكتور أحمد صدقي الدجاني وهو: (( أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان )) ومن ثم فهو صالح لهذا العصر الذي هو أشد ما يكون حاجة إلى الإسلام.

    في الواقع لا يمكن أن تطلق صفة مفكر إسلامي على من يقول بصلوح الإسلام لكل زمان ومكان. ولهذا نرى المفكر الغربي فوربير تابيرو وما سار على نهجه يعجب من المصلحين الإسلاميين حين لا ينسبون التخلف إلى الإسلام. وقد أخذ عليهم أيضاً اندفاعهم في الدفاع عن الإسلام وتفوقه وحث حتى الغربيين على اعتناقه، ويسمى هذا الموقف "مركب نقص" وكان سلامة موسى قد قال ضمن هذا المنطق: (( لا أستطيع تصور نهضة لأمة شرقية ما لم تقم على المبادىء الغربية )). بينما شدد الفكر الإسلاميعلى مقولة جمال الدين الأفغاني: (( لا نهضة بغير ديننا )) وراح علال الفاسي يؤكد أن من غير الممكن مُواجهة الأخطار، وحماية أنفسنا، وأراضينا، إلا بالعودة إلى الإيمان واتباع الجهاد الإسلامي.

    يطالب الدكتور مصطفى حلمي بالتفريق بين قديم أوروبا وقديم المسلمين. فقديم أوروبا يطلق على عصور التخلف أو العصور المظلمة. وأما قديم المسلمين فيطلق على تقدمهم الحضاري في كافة المجالات. لذلك حين تريد أوروبا أن تتقدم ترفض تاريخها القديم. وأما نحن فالعكس. ثم يستطرد قائلاً: ولكن لا يخطر لنا على بال أن نضع الأمة الإسلامية في متحف التاريخ، بمعنى أن نطالبها بإرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة في الحياة العمرانية بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعليم، والتطبيب وتشييد المدن وتجهيز الجيوش، وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات. ويؤكد أن أصحاب المنهج السلفي لا يمنعون فتح النوافذ على العلوم التجريبية والاكتشافات. فالتقدم المادي الماثل أمامنا ما هو إلا جزء من التصور الحضاري الإسلامي. ولكن الأمر الذي يجب التوقف عنده ودراسته هو إعادة النظر، وفحص الإنتاج الثقافي في العلوم الإنسانية. لأنه يرتبط بتطورات للحياة تختلف عن تصوراتنا.

    أما مالك بن نبى فيعتبر الإسلام (( المنقذ من الضلالين: الرأسمالي والشيوعي )) ويرد الشيخ عمر التلمساني فيقول: (( إن الإسلام لا يرضى بما نحن فيه فلا داعي للتمحك بأنه سبب تأخرنا وضعفنا. وكل ما في الإسلام يدعو إلى العدل والإنصاف والقوة والمساواة والجد والعمل وإتقان العمل، يدعو إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق )).

    4- التحدي الموجه إلى موقف الإسلام من موضوع المرأة وتعدد الزوجات. وكان هذا من المواضيع التي أسهم في تناولها أغلب العلماء والمفكرين الإسلاميين الذي راحوا يبينون مكانة المرأة في الإسلام واحترامه لإنسانيتها، وما تتمتع به من حقوق وكرامة ومساواة مع الرجل في كثير من المجالات. وما يقيمه الإسلام من ضوابط للتعدد.

    فعلى سبيل المثال يقوم الدكتور محمد البهي في كتابه "الإِسلام في حياة المسلم" بتوضيح موقف الإِسلام من المرأة وما يتميز من إبراز دورها في العائلة كزوجة وأم، ودورها في الحياة العامة، وفي ميدان العمل وفي ميدان الدفاع عن الوطن. كما يؤيد تقييد الطلاق.

    وقد أثيرت في صفوف بعض المفكرين الإِسلاميين قضايا خلافية حول موضوع التعدد والطلاق وأيد الدكتور فتحي عثمان الاختلاط المأمون الذي يراعي الشروط الشرعية.

    وتناول بالتوضيح مطالب محمد عبده وتلامذته بتقييد الطلاق وتقييد التعدد من خلال ربطه بالقاضي الشرعي، وردود الشيخ محمد أبو زهرة عليهم واقتراحه أن يأتي التقييد من المجتمع لا في التشريع. ويبقى موضوع المرأة في الإسلام من المواضيع الحية التي ما انفك المفكرون الإِسلاميون يتناولونه ويعالجونه من خلال الإِسلام بعيداً عن النموذج الحضاري الغربي، وبعيداً عن عدد من الأفكار والتقاليد الموروثة من عصور الجمود والانحطاط. وهذا ما سيتم التعرض له لاحقاً. وبالمناسبة نظراً لأهمية الموضوع يقترح السيد محمد تقي المدرسي عقد مؤتمرات لمعالجة هذه المشكلة بالذات وإعطائها الأولوية عوضاً عن الانشغال في القضايا الجانبية.

    5- التحدي الذي يتهم الإِسلام بتأييد نظام العبودية والجواري أو أنه كان نظاماً إقطاعياً، وقد جاءت الردود جميعها تؤكد أن الإِسلام عمل على تصفية العبودية والرق. كما لا يمكن وصفه بالنظام الإِقطاعي وهو الذي أرسى نظام إرث يفتت الملكيات الكبيرة كما لا يسمح نظامه الاقتصادي والسياسي بمثل هذا النظام. وقد أسهم الأستاذ محمد قطب في رد هذه الشبه وكان قد تم تناول هذه الجوانب من زاوية إسلامية فقهية وشرعية، بينما ركز البعض على دحض ذلك التحدي من خلال دراسة التاريخ الاقتصاد السياسي في التجربة الإِسلامية العملية ويذكر هنا بصورة خاصة، مؤلف الأستاذ عادل عبد المهدي .."الثوابت والمتغيرات في التاريخ الاقتصادي للمجتمعات العربية الإِسلامية" وقد أثبت فيه خطأ مقولات الماركسيين والليبراليين في تحليلها وتحديدها لنمط المجتمع الإِسلامي في التاريخ. وأظهر عدم استقرار تلك المقولات وتضاربها فيما بينها. أما ذلك فيرجع لعدم إدراكهم للدور الذي لعبه الشرع الإِسلامي في تاريخ الاقتصادي السياسي للمجتمعات الإِسلامية.

    ويلاحظ كاتب ملف الفكر الإِسلامي في العدد السابع من السنة الثانية من عمر مجلة "الفرقان" المغربية ضعف المادة الاقتصادية والتاريخية عند طيب تيزينى حين يتحدث عن الإِقطاعية والرأسمالية في التاريخ الإِسلامي فهو يدلل عن وجود الرأسمالية والإِقطاعية لا من الوجود الواقعي للطبقات أو الوضع الاقتصادي وإنما من خلال تأويله لأفكار معينة. فيعلق كاتب الملف: لكأن الواقع انبثاق ميكانيكي عن الفكر. وهو بهذا، أي تيزينى يقع في الرؤية التي يريد نقدها، وهي الرؤية التي تصوغ التاريخ من تأويل الفكر.

    6- التحدي الذي يقول إن أحكام الإِسلام في الحدود تمتاز "بالقسوة والهمجية في قطعها ليد السارق أو جلدها للزاني، أو قتلها لقاتل النفس بلا حق، فجاءت الردود لتؤكد على عدالة أحكام الإِسلام وحكمته البالغة فيما قرر من حدود، لأن فيها ردعاً للمعتدين ورحمة بأغلبية الناس الساحقة حين تصان الأعراض والأنفس والأموال والحقوق. ثم أكدت تلك الردود، من جهة أخرى، على الضوابط الكثيرة التي وضعها الإِسلام في تطبيق هذه الحدود. وكيف كان استخدامها في التاريخ الإِسلامي، على أضيق نطاق وقد أسهم الأستاذ عبد الكريم مطيع في كراسته "حد السرقة" في تبيان تلك الضوابط والشروط لتنفيذ حد السرقة.

    أما الشيخ سيد سابق فبين كيف ساعدت الحدود الشرعية في الإِسلام على توفير أمن حقيقي للمجتمع والعائلة، بينما أدت قوانين العقوبات الغربية إلى ازدياد وتائر السرقات وحالات الاغتصاب والاعتداء على الأبرياء والآمنين، وهؤلاء أولى بالتفكير في ما يتعرضون له من قسوة ووحشية من التفكير بتخفيف العقوبات التي تنزل بالمجرمين. فالأولى مراعاة مصالح الناس وأمنهم وحياتهم حين يواجه موضوع الأحكام التي تردع فعلاً مرتكبي الجرائم بحقهم.

    وأوضح الأستاذ محسن الميلي خلاصة لموقف السياسة الشرعية بالنسبة إلى التعامل مع الحدود وما يثار حولها من شبهات فقال: "وهكذا تبين أن السياسة الشرعية مجال واسع لتبيان صلاحية التشريع بطريقة علمية. ولكن هذه الاجتهادات يجب أن تظل دائماً في حدود مقاصد الشريعة الإِسلامية وقواعدها. ولا يجوز بحال تعطيل هذه النصوص، ولا التعسف عليها بتأويلات منحرفة. لذلك نبه علماء الإِسلام إلى خطورة هذا الباب، وإلى وجوب التزام العدل فيه والتوسط وتجنب مسلك الإِفراط والتفريط"

    7- التحدي الذي يتهم الإِسلام بالرأسمالية لسماحه بالملكية الفردية وحرية التجارة ، أو اتهامه بالاشتراكية أو الشيوعية لما فيه من تقييد للملكية ولموقفه من الفقراء وردعه لترف الأغنياء واستئثارهم واكتنازهم الأموال. وقد اتخذت الردود أبعاداً متعددة بعضها تناول بالنقد كلا المفهومين الماركسي والليبرالي حول الملكية الخاصة. وأخرى أفردت بحوثاً في نقد النظامين الرأسمالي والاشتراكي الماركسي عموماً، وفي المقابل تم التوسع في شرح العدالة الاجتماعية في الإِسلام باعتبارها نموذجاً ثالثاً متميزاً، ما هو بالرأسمالية وما هو بالاشتراكي الماركسي أو الاشتراكي الليبرالي.

    وتبرز هنا، كتابات سيد قطب ومحمد قطب والشيخ تقي الدين النبهاني في مناقشة تمايز النظام الإِسلامي وأفضليته على النظامين الرأسمالي والاشتراكي. أما كتاب "اقتصادنا" للإِمام محمد باقر الصدر فيحتل موقعاً علمياً مرموقاً لا من جهة الفقه فحسب، وإنما أيضاً من جهة علم الاقتصاد إن جاز التعبير. وقد أثبت قدرة عالية في مناقشة النظريات الاقتصادية في الماركسية والرأسمالية.

    على أن مستهل القرن الخامس عشر للهجرة، فقد اتجه العلماء والمفكرون الإِسلاميون ليعطوا الموضوع الاقتصادي اهتماماً مركزاً، خاصة مع ازدياد المطالبات التي كان الأستاذ راشد الغنوشى من المبادرين بها وهي ضرورة تحديد نظرية إسلامية في الاقتصاد تتجاوز العموميات بالنسبة إلى مسائل النظام الاقتصادي في الإِسلام.

    كما يضع الشيخ محمد الغزالي المسؤولية على عاتق الفقهاء في هذا العصر وهي أن يقولوا كلمة الفقه في مختلف المجالات التي تعني الحياة الاقتصادية بما فيها مسألة العقوبات المتعلقة بالنواحي المالية الاقتصادية.

    تكمن الإِشارة هنا إلى الدراسات التي جمعها وأعدها الدكتور صالح كركر في كتاب "رؤى في النظام الاقتصادي في الإِسلام". منقولة عن مجلة "المسلم المعاصر" علها تعطي فكرة عن بعض الإِرهاصات الإِسلامية في هذا المجال. وهي "الاقتصاد في المذهبية الإِسلامية" للدكتور محمود أبو السعود، و "النظام الاقتصادي الإِسلامي" للدكتور منذر قحف، و "النظام الاقتصادي في الإِسلام" د. محمد عمر شبراء، و"صياغة إسلامية لجوانب من دالة المصلحة الاجتماعية ونظرية سلوك المستهلك" د. محمد أنس الزرقاء، و "رأس المال والمحافظة عليه في الفكر الإِسلامي"، د. محمد شوقي إسماعيل شحاته، و "التنمية الاقتصادية في المفهوم الإِسلامي" د. محسن عبد الحميد، و "أفكار ونظرات ابن خلدون الاقتصادية"، د. فاضل الحسب، "قراءة اقتصادية في كتاب الكسب" د. رفعت السيد العوضي.

    أما من الجهود الحديثة في مناقشة النظامين الرأسمالي والاشتراكي من الزاوية الاقتصادية والفقهية فكتاب الأستاذ سميح عاطف الزين "الإِسلام وأيديولوجية الإِنسان"، بينما تناولهما الشيخ نادر أسعد بيوض التميمي من الزاوية العقدية في كتابه "العقيدة الإِسلامية في مواجهة العقائد الوضعية". أما الدكتور صالح كركر فرد على التحدي من زاوية مناقشة "نظرية القيمة - العمل والعمال والعدالة الاجتماعية في الإسلام وفي المذاهب والنظم الوضعية".

    8- التحدي الذي يتهم الإِسلام بالتنكر للوطنية والقومية بسبب نظرته العالمية. وقد جاءت الردود تؤكد تأييد الإِسلام لكل دفاع محق عن الوطن أو الشعب والأمة ضد أي اعتداء خارجي أو ظلم داخلي، وتأييد حق الشعوب في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال من السيطرة الأجنبية. ولكن مع تأكيد الرفض القاطع للاتجاهات التي تحمل النزعات العنصرية أو العصبية في الوطنية والقومية أو تتنكر للإِسلام أو تعطى للوطنية والقومية محتويات علمانية وأيديولوجيات رأسمالية واشتراكية. وقد جاء الرد الأول الأقوى على هذا التحدي من قبل الإِمام حسن البنا حيث قال حول القومية: "إذا كان القصد الاعتزاز بالأسلاف، أو بحرية القوم وحق برهم وإسعادهم وتحريرهم، أو أن القوم مبتلون وبحاجة إلى تحرير .. كل هذا لا يأباه الإِسلام وهو مقياسنا بل ينفسح صدرنا له ونحض عليه. أما قومية الجاهلية - العدوان فلا". وقال حول الوطنية: "لا خلاف إن كانت تعنى حب الأرض وألفتها، والحرية والعزة للبلاد، حب المجتمع وصلاح أحواله أما إذا كانت تقسيماً للأمة فلا". الخلاف أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية. واستمر هذا التحدي إلى يومنا هذا واستمر المفكرون الإِسلاميون يقدمون ردوداً تدور ضمن الإِطار والمحتوى اللذين رد بها الإِمام حسن البنا.

    9- التحدي الذي يتهم الإِسلام بالدكتاتورية ورفض الديمقراطية. فرد البعض بالقول أن العلاقة بين الشعب وحكامه في الإِسلام تقوم على أساس العقد ومن ثم يحق للشعب عزل حكامه إذا جنحوا إلى الدكتاتورية مخالفين للعقد. كما جاءت الردود تركز على الشورى وربط البيعة بالأمة وبتأكيد الإٍسلام حقوق أهل الكتاب وحق المعتقد وحرية التفكير ودعا بعض المفكرين الإِسلاميين إلى وضع دستور، وإلى تنظيم الشورى بالمجالس المنتخبة وتأكيد حقوق الإنسان وحرياته التي يكفلها الإسلام. وسوف يعالج موقف المفكرين الإِسلاميين المعاصرين من هذا الموضوع لاحقاً.

    10- التحدي الموجه إلى اللغة العربية: تارة من خلال إحلال العامية في الكتابة مكانها، وطوراً من خلال تسكين أحرفها واقتراح لغة وسطاً بين العامية والفصحى، وأطواراً عبر المطالبة بكتابتها بالأحرف اللاتينية. فضلاً عن تشجيع حشوها بالضروري وغير الضروري من المصطلحات العلمية وغير العلمية، سواء أكان لها رديف عربي مناسب أم لم يكن لها. وأحياناً من خلال تكوّن مثقفين يستخدمون الفرنسية أو الإنكليزية (وربما بعد حين الروسية) لغة التفكير والكتابة وتحويل العربية إلى لغة من الدرجة ا لثانية، وأحايين من خلال مقاومة التعريب في دوائر بعض الحكومات والكليات الجامعية والمؤسسات والشركات والمصارف. وقد كشف الفكر الإِسلامي عن الهدف الحقيقي لمثل هذه التوجهات وهو الانسلاخ عن لغة القرآن من أجل الانسلاخ عن الإِسلام والتراث الإِسلامي الفكري والحضاري. مما يجعل التغريب يدخل في آلية عمل العقل (اللغة) وفي التكوّن الروحي والضميري للأمة من خلال إبعاد الإِسلام والتراث الإِسلامي. ولم تهدأ هذه المعركة منذ قرن بين المفكرين الإِسلاميين وعدد من المفكرين العلمانيين. وكلما سددوا لبعض الاتجاهات ضربة برز اتجاه آخر بحلة جديدة وحجج جديدة. وهذا ما حدا بالدكتور صادق أمين إلى إكمال الطريق بالكشف عن سياسات هدم اللغة العربية كجزء من عملية هدم الإِسلام والسيطرة على الأمة وغزوها ثقافياً. فتتبع تلك العملية منذ بدأ بعض المستشرقين بالتشجيع على استخدام العامية فاقتفى أثرهم أحمد لطفي السيد ولويس عوض أنيس فريحة. وكشف أيضاً عن دور عبد العزيز فهمي وسعيد عقل اللذين طالبا أن تكتب العربية بالحرف اللاتيني. ثم دور توفيق الحكيم وأمين الخولي في المناداة بلغة وسط بين العامية والفصحى. كما أشار إلى محاولة طه حسين تهديم النحو العربي. ثم إلى محاولات تحطيم أسس الشعر العربي.

    إن مجموعة الردود الإِسلامية على هذه الموضوعات، وبالرغم مما أبرزه المفكرون والعلماء الإِسلاميون المعاصرون من نقاط خلافية حول هذه القضية أو تلك، وما حملته من نقد للفكر الغربي أو فكر العلمانيين، لم تحظ من قبل العلمانيين العرب بما تستحقه من الاهتمام والرد. فكانوا يكتفون بترديد تلك الانتقادات وتكرارها على الإِسلام ثم يصمون آذانهم عن الردود التي يجيب بها الإِسلاميون. الأمر الذي لم يساعد على إغناء الموضوعات في ميدان الصراع الفكري في المجال الشعبي.

    ويجب أن يقال هنا أن الجهد الإِسلامي المبذول في الرد على فلسفات الغرب ونظرياته الاقتصادية وفي إيضاح المفاهيم والنظريات الإسلامية حول الإنسان والحياة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والبيئة تحاول أن تتسم بالأصالة والاتساع والعمق وتسعى إلى الاغتناء يومياً، وإلى امتلاك الأسلحة الأكثر مضاء في الرد على التحديات الآتية من فكر الغرب ونموذجه الحضاري.

    كما أنها تخوض بينها حوارات فكرية تحمل الكثير من نقاط الخلاف. وقد أدى ذلك إلى بروز دراسات إسلامية هامة. ويَعِد بروز دراسات أخرى تؤكدها المطالبات الإِسلامية الراهنة الملحة على ضرورة تقويم فكر المرحلة السابقة وتجربتها العملية، وضرورة تقديم دراسات إسلامية منهجية وعلمية تفصيلية ومعمقة في مختلف مجالات الفكر والثقافة، وتناول مختلف المواضيع تناولاً إيجابياً قائماً بذاته فلا يكون القصد مواجهة تحديات الفكر الغربي أو الفكر العلماني دفاعاً عن الإِسلام فحسب، وإنما أيضاً باعتبارها جزءاً من عملية النهوض بالمشروع الإِسلامي البديل، وإنزاله على أرض التطبيق الواقعي والممارس العملية. ولهذا يمكن القول أن الفكر الإِسلامي لم يستنفذ حتى الآن كل ما عنده، أو كل طاقته وإمكاناته في تناول هذه التحديات الآتية من النموذج الحضاري الغربي، فهو في حالة مخاض واعد، وتدفق لم ينضب. ويعج داخل بالالحاح الشديد من أجل التعميق والتأصيل والتجديد، بل إيجاد سبيل تحقيق الأهداف الإِسلامية.

    منقول من الموسوعة الاسلاميه المعاصرة ....للأمانة

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 5 ديسمبر - 2:21